طيلة شهر كامل سيعيش العالم على إيقاع منافسات نهائيات كأس العالم لأشهر رياضة شعبية في العالم وعبر التاريخ. لكن كأس العالم لكرة القدم الذي سَيشُد أنظار مليارات المشاهدين إلى سحر الكرة المستديرة، يأتي هذه السنة في سياق تحول كبير للقيم التي تنتجها الرياضة والمبادئ التي تؤطرها.
فالرياضة كانت وما زالت منهجا للقيم والأخلاق الرفيعة، لكنها في السنوات الأخيرة باتت تنتج سلوكيات هجينة كالتعصب، والعنف، والغش، والفساد. وهذا التحول في السلوكيات ليس وليد اليوم، وإنما هو نتيجة للتداخل ما بين الرياضة والسياسة من جهة، والرياضة والتجارة من جهة أخرى.
وعكس السياسة تقوم الرياضة على قيم نبيلة من قبيل التسامح، والمحبة، والتعايش، والصداقة بين الشعوب وتهدف إلى إنتاج الفرح والفرجة. أما السياسة فتقوم على مبدأ التنافس والصراع وتغليب المصلحة وغاياتها براغماتية. ومع ذلك فإن العلاقة بين الرياضة والسياسة تبقى قديمة ووثيقة، متكاملة أو متداخلة أحيانا ومتقاطعة أو متنافسة أحيانا أخرى، وملتبسة في حالات كثيرة.
وعبر تاريخ هذه العلاقة، كانت دائما السياسة تستغل الرياضة، أحيانا لغايات نبيلة لكن في أغلب الأحيان لأغراض سياسية محضة. فقد سبق لعدة أنظمة فاشية وعسكرية أن استغلت الرياضة لتغذية نعرات التعصب الوطني عند مواطنيها، وإثارة مشاعر العنصرية والحقد والضغينة. وإبان الحرب الباردة استعملت الرياضة كمجال للصراع السياسي بين معسكري الغرب والشرق. كما استعملت الرياضة- ومازالت- لأغراض الدعاية السياسية للأنظمة والدول وللحكام المستبدين.
لكن في حالات أخرى لعبت الرياضة أدوارا سياسية مهمة في التقريب بين الشعوب، وفي تجاوز الأزمات، وفي التعريف بالقضايا النبيلة والعادلة. وفي أمريكا اللاتينية وخاصة في البرازيل التي تستضيف كأس العالم هذا العام، كان لكرة القدم، كرياضة شعبية دور حيوي في مناهضة الدكتاتورية والدفع بالبلاد نحو الديمقراطية.
وحتى العقود الأخيرة كان بعض المثقفين اليساريين ينظرون إلى الرياضة، وخاصة ذات الشعبية الكبيرة، كمخدر للشعوب توظفها القوى اليمينية والأنظمة الفاشية على حد سواء لخدمة أيديولوجياتها عندما تحول الملاعب والمدرجات إلى وعاء كبير لتفريغ الاحتقان الاجتماعي، ومناسبة لتمجيد الحاكم الأبدي.
أما اليوم، فقد تحولت الرياضة إلى تجارة حقيقية وسوق للمضاربات بين المتحكمين في بورصات بيع اللاعبين وشراء حقوق البث والتنافس غير النظيف على استضافة المناسبات الرياضية. وكانت النتيجة استشراء الفساد داخل مجال ظل دائما رمزا للنقاء والنبل، يقوم على مبادئ التنافس الشريف وقواعد الشفافية والوضوح، وهو ما يهدد مستقبل الرياضة كوعاء لقيم نبيلة في طريقها إلى الانقراض.
عن هنا صوتك

0 التعليقات